موفق الدين بن عثمان
519
مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )
وقال خادمه المذكور : خدمته تسع سنين ، فكان لا يمر عليه وقت من الليل أو النهار إلّا وهو معمور بأنواع القربات : إمّا بقراءة قرآن ، أو قراءة ، أو سمع الحديث ، أو تملية ، أو يشتغل بالعلم ، أو يؤدب مريديه ، أو يتوجه إلى اللّه سبحانه - عزّ وجلّ - بإحكام أحوال قربه ، ومنازلات سرّه . وشهدته يوما وقد دخل عليه شيخ أشعث أغبر ، ما رأيته من قبل ولا من بعد ، فجلس بين يدي الشيخ متأدّبا خاضعا ، فأطرق الشيخ ساعة ثم نظر إلى الرجل ، فخرّ مغشيّا عليه ، فقال الشيخ : ارفعوه . فوضعناه في بيت ، فمكث فيه أربعة أشهر لا يتحرك ولا يفيق ، فحالته كحالة الميت إلّا أنه يتنفس ، ثم أتاه الشيخ ومسح بيده على صدره فأفاق ، فسألته عن أمره ، فقال : يا أبا العباس ، كبر سنّى ، وتتابعت مجاهداتى ، وطالت سياحاتى ، وما رأيت من أحوال هذا الشأن شيئا ، فاستغثت إلى اللّه تعالى بسرّى ، فنوديت : اذهب إلى سلطان هذا الوادي ، فعنده ما تريد . فقلت : ومن هو ؟ فقيل لي : هو الشيخ أبو عمرو عثمان بن مرزوق « 1 » ، فلما جلست بين يديه ونظر إلىّ قطعت نظرته حجبى ، واخترقت في سرادقات الوصل ، وطويت لي مسافات البعد ، واختطفتنى عن جسمي وعالمي ، وغيّبتنى عن الوجود وما فيه ، وقمت على قدم الفناء والغيبة عن الأكوان في مقام القرب ، ونلت مطلوبى ، ووصلت إلى محبوبى ببركة نظرته ، فمرّ بي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأنا على هذا الحال في مقامي ذلك ، فنظر إلىّ وقال : مروا من حال بين هذا وبين عقله أن يضع فيه تمكينا يقهر بقوته شيطان هذا الحال ليرجع إلى تمييزه فيقوم بأحكام الشرع . وأسرع إلىّ الشيخ أبو عمرو ، فوجدت عندي قوّة ملكت بها حالي ، ورجعت إلى وجودي كما ترى . ثم ذهب فما رأيته بعد .
--> ( 1 ) في « م » : « أبو عمر مرزوق » خطأ ، وما أثبتناه هو الصحيح .